الشيخ محمد إسحاق الفياض
375
المباحث الأصولية
فلا يعقل أن يكون رابطا بينهما ، فإذا قيل « الصلاة في المسجد » يواجه ذهن السامع ابتداء نوعين من المفاهيم : أحدهما مفهوم مستقل ، وهو مفهوم الصلاة ومفهوم المسجد ، والآخر مفهوم غير مستقل ذاتا وحقيقة ، وهو صورة العلاقة بين صورة الصلاة وصورة المسجد فيه ، وهذا أمر وجداني ، وأما كون هذه العلاقة القائمة بينهما علاقة حقيقية بالحمل الشائع بكل خصائصها الذاتية ، لا أنها مجرد مفهوم بالحمل الأولى فهو ثابت بالبرهان ، وذلك لأن هذه العلاقة التي يعبّر عنها بالنسبة لو كانت مجرد مفهوم لم يكن هناك التصاق وارتباط بين مفهومي الصلاة والمسجد ، بل الموجود في الذهن حينئذ ثلاثة مفاهيم مستقلة من دون أن يرتبط بعضها ببعضها الآخر ، وهذا خلاف الوجدان ، لأن ذهن السامع عند اطلاق هذه الجملة يواجه بالوجدان مفهومي الصلاة والمسجد المرتبط أحدهما بالآخر فيه ، ومعنى هذا أن العلاقة بينهما علاقة حقيقية وبالحمل الشائع بتمام خصائصها التكوينية ، ومن هنا يكون المتبادر من حرف « من » في مثل قولنا « سر من البصرة إلى الكوفة » غير ما هو المتبادر من كلمة « ابتداء » ، فإن المتبادر من الأول واقع النسبة والعلاقة بين المبتدأ به والمبتدأ منه ، بينما المتبادر من الثاني هو مفهوم الابتداء بالحمل الأولي ، وكذلك الحال في حرف « في » وكلمة « ظرفية » وهكذا . ونتيجة ذلك أن المعنى الحرفي يخطر في الذهن مباشرة لا بواسطة مفهوم النسبة ، بل يتبع المفهوم الاسمي ، وهو وجود شخص طرفيه في الذهن ، لأن حضوره فيه بنفس حضور طرفيه فيه ، فالحرف يحكي عن معناه في الذهن بتبع حكاية طرفيه عن معناهما فيه ، وأما حكاية المفهوم الحرفي في الذهن عنه في الخارج ، فتكون من قبيل حكاية المماثل عن المماثل ، لا من قبيل الحكاية عن